صديق الحسيني القنوجي البخاري

99

فتح البيان في مقاصد القرآن

وأن الذي علم اللّه من حاله أنه يتوفى على الكفر هو الكافر على الحقيقة إذ العبرة بالخواتيم وإن كان بحكم الحال مؤمنا ، وهذه مسألة الموافاة المنسوبة إلى أبي الحسن الأشعري ومعناها أن العبرة بالإيمان الذي يوافي العبد عليه أي يأتي متصفا به في آخر حياته وأول منازل آخرته ، وحيث أطلقت مسألة الموافاة فالمراد بها ذلك ، وهي مما اختلف فيها الشافعية والحنفية والماتريدية ، وللسبكي فيها تأليف مستقل ، ومن فروعها أنه يصح أن يقول أنا مؤمن إن شاء اللّه ، ويبتنى عليها مسألة الإحباط في الأعمال بالردة . قال الخفاجي مسألة الموافاة من أمهات المسائل وفصلها النسفي في شرح التمهيد فقال ما حاصله أن الشافعي يقول إن الشقي شقي في بطن أمه وكذا السعيد فلا تبديل في ذلك ويظهر ذلك عند الموت ولقاء اللّه وهو معنى الموافاة والماتريدية يقولون يمحو اللّه ما يشاء ويثبت فيصير السعيد شقيا والشقي سعيدا إلا أنهم يقولون من مات مسلما مخلد في الجنة ومن مات كافرا مخلد في العذاب باتفاق الفريقين فلا ثمرة للخلاف أصلا ، إلا أن يقال إن من كان مسلما وورث أباه المسلم إذا مات كافرا يرد ما أخذه إلى بقية الورثة المسلمين ، وكذا الكافر وتبطل جميع أعماله ، والمنقول في المذهب خلافه فحينئذ لا ثمرة له إلا أنه يصلح منه أن يقول أنا مؤمن إن شاء اللّه بقصد التعليق في المستقبل حتى لا يكون شكا في الإيمان حالا ، ولا حاجة لتأويله ، والماتريدية يمنعون ذلك مطلقا انتهى . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 35 إلى 37 ] وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ ( 35 ) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ( 36 ) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 37 ) وَقُلْنا هو من خطاب الأكابر والعظماء أخبر سبحانه عن نفسه بصيغة الجمع لأنه ملك الملوك يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ أي اتخذ الجنة مأوى ومنزلا ومسكنا وهو محل السكون ، وأما ما قاله بعض المفسرين أن قوله اسْكُنْ تنبيه على الخروج لأن السكنى لا يكون ملكا ، وأخذ ذلك من قول جماعة من العلماء أن من أسكن رجلا منزلا له فإنه لا يملكه بذلك وإن له أن يخرجه منه ، فهو معنى عرفي ، والواجب الأخذ بالمعنى العربي إذا لم يثبت في اللفظ حقيقة شرعية . والزوج هي حواء بالمد وهي في اللغة الفصيحة بغير هاء وقد جاء بها قليلا كما في صحيح مسلم قال يا فلان « هذه زوجتي فلانة » الحديث ، وكان خلق حواء من